Blog

said


“قراءات نقدية”

صورة الحياة المضطربة في قصة “جريمة في حفلة صيد” للكاتب أنطون تشيخوف
ترجمة يوسف نبيل
قراءة حسين علي خضير
بمقدور المرء أن يقاوم أعمال تشيخوف حتى وإن كانت في بداية مشواره الأدبي، لأنه ظاهرة ليست عادية في تاريخ الأدب الروسي، بل حتى أنفاسه تُعبّر عن الأدب. يقول تولستوي عن تشيخوف: “حينما أقرأ لتشيخوف، يتراءى لي ليس فقط أبطاله، بل حتى أسمع أصواتهم”. ولم يكتف بهذا الأمر بل راح يقول عنه: “فنان الحياة الذي لا يقارن به أحدا”. ففي قصة “جريمة في حفلة صيد” وهي من الأعمال التي كانت في بداية مشواره الأدبي، يسلط الكاتب الضوء على الطبقة الأرستقراطية بطريقة تجعلك تقرأ العمل بنفس واحد، ممكن أن نطلق عليها “بقصة بوليسية” يطغى عليها طابع المغامرات الغرامية، التي تنتهي بمأساة إنسانية.

الحدث المهم في هذه القصة هو مقتل الفتاة ذات الرداء الأحمر في حفلة صيد، والتي تدعى أولينك، وتوجه أصابع الاتهام إلى زوجها العجوز، ومن كان يحقق في هذه القضية هو عشيقها نفسه المحقق زينوفيف، وفي النهاية يتم حبس زوجها لمدة 15 عاماً مع الأشغال الشاقة. والقاتل الحقيقي يبقى طليقا. وبعد مرور 8 أعوام يكتب المحقق القضائي قصة حول هذه الأحداث ويسلمها لصحيفة من أجل نشرها، ورئيس تحرير تلك الصحيفة يكتشف القاتل الحقيقي لهذه الفتاة من خلال قرأته لهذا النص، والقاتل هو نفسه المحقق القضائي. فرئيس التحرير يواجه المحقق القضائي بالحقيقة، وسوف أترك هذا الأمر للقارئ يكتشف كيف جوبه المحقق بالأدلة الدامغة التي تجعله يعترف بما أقترفه من جريمة.
يكشف لنا تشيخوف في هذه القصة الانحدار الأخلاقي لطبقات المجتمع آنذاك، ابتداءً من شخصية الكونت إلى أبسط قروي في تلك القرية، وحالة البذخ والعربدة التي تعيشها تلك الطبقات الأرستقراطية، والأهم من ذلك نظرة هؤلاء إلى غيرهم وكأنما أمامهم حاجة رخيصة بإمكانهم شراؤها وبيعها في أي وقت، ومن ثم يقدم لنا تشيخوف بطلاً مثقفا تلاعب بمشاعر الآخرين والنتيجة كانت القتل بدم بارد. وكأنه يقول لنا في هذه القصة: ما فائدة الندم والعذاب الروحي بعد الأقدام على هذه الجريمة؟ وهل الندم والعذاب الروحي يكفر عن خطايانا؟ لم يكتف تشيخوف بهذا الأمر، بل نجد في نصه هذا أيضا الصور الشعرية التي لا نظير لها، حتى في مسألة ضيق أفكارنا فنجده يجد حل لهذا الأمر، فيقول على لسان بطله: “قلتُ في نفسي: (لماذا يحبس أهل هذا العالم أنفسهم داخل إطار أفكارهم الضيق، في الوقت الذي يوجد فيه متسع للحياة والفكر؟ لماذا لا يأتون إلى هذه الرحابة؟).” ص 102، وفي نهاية القصة، يعلمنا تشيخوف درساً في مفهوم هذه الحياة التي يوجد فيها الكثير من أمثال أورينين التي قست عليهم الحياة وتواروا في غياهب سجنها، فيقول: “الحياة مسعورة، فاجرة، ومضطربة كبحيرة في ليلة من ليالي أغسطس… وارت تحت ستر أمواجها المظلمة الكثير من الضحايا، وترسب في أعماقها ثقل ثقيل.” ص 286.


حسين علي خضير
…………………
المصدر:
أنطون تشيخوف، جريمة في حفلة صيد، ترجمة: يوسف نبيل، القاهرة – دار آفاق للنشر والتوزيع – 2021، ص 102,286.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.