Blog

esbou shatawi


مثلت رواية” أسبوع شتوي “آخر أعمال الروائية الأيرلندية” منيف بنجي “، تلك الرواية التي نشرت بعد موتها. وهي عمل متميز بسبب ما تعرض من مسائل حيوية تلتصق بمسيرة الإنسان وما تكتنفها من مشاعر ورؤى.
وردت اللغة على نحو يشد القارئ ويسحبه إلى متابعة القراءة بمتعة لما اعتمدت عليه من سلاسة وركون إلى تناوب الحوار والمنولوج الداخلي وروي الشخص الثالث، وبما اتسمت به أحياناً من روح الدعابة التي تميز بها الكتاب الأيرلنديون.
اتخذت الرواية سبيل سرد أحداث امتدت طوال أكثر من جيل واحد. يغدو المؤسسون آباءً ثم أجدادا، والأبناء، الذين تتعدد بهم المشارب وتتشابك لديهم الرغبات، تصطدم إراداتهم وتنكشف ردود أفعالهم إبان مسيرة الحياة، أما الأحفاد فإنهم يمثلون براعم حياة جديدة لم تنكشف بعد.
احتشدت في الرواية أكثر من اثنتي عشر شخصية رئيسة مثلت شرائح واسعة من المجتمع.، إضافة إلى شخصيات ثانوية مثلت عامل تأثير في سير الأحداث. امتد السرد ليكوّن عشرة فصول صاغتها الروائية على هيئة قصص لكل قصة رموزها وبيئتها مكونة عالمها الخاص بها، تلتقي في مكان بذاته خلال أسبوع شتوي في مدينة صغيرة، في منزل قديم جرى تأهيله ليصير منتجعاً يرتاده الزائرون من مختلف المدن ابتغاء نيل أوقات للتغيير والاستراحة.
تكتمل صورة الأحداث والشخصيات الروائية عند ارتباطها بالمكان الذي يتمثل بالمنزل القديم الذي تحول أخيرا إلى منتجع ملائم يلتقي به الضيوف، منتجع يقع في المدينة الصغيرة المطلة على الساحل الصخري الأيرلندي للمحيط الأطلسي والبعيد عن الحياة الصاخبة في دبلن.” في الصيف، كانت “ستونيبرغ” مكاناً بهيجاً جداً لأطفال المدينة، غير أن الصيف في غرب أيرلندا قصير، يتسم غالباً بالرطوبة والغرابة والتفرد على الساحل الأطلسي. ومع هذا، هناك كهوف يجوبها الأطفال، ومنحدرات صخرية بمقدورهم تسلقها، وأعشاش طيور يمكن أن يتمتعوا باكتشافها “
وظفت الروائية المكان، على نحو جلي، لتكشف جدلية العلاقة بين الحاضر والموروث، ذلك لأن العمل الرصين المتمثل بالحاضر لا بد من أن ينتهي بنتيجة رائعة في حالة احتفاظه بوشائج الموروث الذي يؤخذ بدراية وتبصر، يحاور الحاضر في كل جوانبه.
تمثل الموروث بالقصر” ستوني هاوس “الذي تحول إلى دار استراحة بعد إضفاء طابع التحديث، فانتهى إلى أن يكون عامل جذب للزائرين.
ختمت الرواية بنهاية مفتوحة تشير إلى انسيابية الحركة الاجتماعية وعدم توقفها، ينعدم الحيز القائم بين النهايات والبدايات، وما يمثل الحافة الأخيرة لشيء ما إنما هو الحافة الأولى لشيء يأتي بعده.
ظهرت في الرواية شخصية فتاة، هي الأكثر تأثيراً في سير الأحداث، اسمها الحقيقي” جيرالدين “، احتلت مكاناً فاعلاً امتد منذ البدء حتى الصفحة الأخيرة، لكنها عرفت باسم” جكي “لأنها اعتادت في الصغر أن تهتم بالدجاج، تنثر الحبوب وهي تنادي: جك، جك:” لم يجر اسم جيرالدين على لسان أحد منذ زمن بعيد، إنما هي جكي ، تلك الفتاة الصغيرة العاملة والمجدة التي تنثر الحبوب لفراخ الدجاج وعلي لسانها تتردد بعذوبة كلمات: جك، جك. تطلق اسماً لكل دجاجة “.
في يوم ما تعرفت على شاب أمريكي جاء إلى المنطقة كسائح. رأته” وسيم جداً، له ابتسامة وامضة وأسنان مشرقة “ارتضت الخضوع إلى اقتراحه بالسفر معه إلى أمريكا من دون موافقة عائلتها، اعتمدت على تصورها بأنها تغتنم فرصتها:” كان ولتر يعيش في عالم كل ما فيه يتسم بالبساطة. تبادلا الحب فما كان أروع من تلك العلاقة التي تحتمها الطبيعة. يعتقدان أنهما على صواب، لذا ينتفي سبب انتهاج سلوك يعقد أمور حياتهما من خلال القلق بشأن ما سيقوله الآخرون أو يفكرون به أو يفعلونه. الرب الرحيم فهم الحب، الأب جونسن نذر أن لا يقع في الحب غير أنه لم يقدر على ذلك. قال ولتر أن ليس عليهما أن يوثقا عقوداً غبية أو أية شهادات تخص علاقتهما.”

انصاعت جكي إلى رغبته على الرغم من رفض عائلتها لهذا النوع من العلاقة العاطفية. غير أنها عاشت معه في أمريكا في مخيم مع مجموعة من الغرباء، بعد ذلك تركها وعاد إلى عائلته بعد أن قال لها بلا مبالاة: حب تبرعم، حب مات.
حفزت عوامل الخلل في التعامل الاجتماعي على تنشيط عوامل التحدي وعناصر القوة في دواخل النفس البشرية عند جكي . استطاعت، مع مؤازرة خارجية، أن تتغلب على المصاعب، ذلك أن الأمر انتهى بها إلى أن تشتري المنزل” ستون هاوس “القائم في مدينتها الصغيرة في أيرلندا وتحوله إلى مشروع ناجح، إلى منتجع مثمر ومريح. وبهذا فهي امرأة استوعبت التجربة، رفضت الخذلان وغدت عضواً فاعلاً في محيطها. هناك شخصية أخرى، تعرضت لها الروائية على نحو مختلف: الآنسة نيل هاو، مديرة المدرسة الصارمة التي تعرضت في صغرها إلى انتكاسة عاطفية لم تكن تتوقعها، تركت في نفسها آثاراً مدمرة جعلت منها امرأة صريحة، غير مهادنة، لا تقر بالمجاملات. انعكس هذا سلباً في حالتين: الأول منهما عندما تقاعدت وجلبت لها إحدى المعلمات هدية الفريق المدرسي، رفضت الهدية معللة الأمر بأنها لم تكن تفعل شيئاً سوى ما كان يترتب عليها من واجب. الثاني منهما عندما دعيت لقضاء أسبوع ترفيهي في ستونيبرغ. لم تفلح في تكوين علاقات ناجحة مع الآخرين، انتهى الأمر بها إلى العودة والانعزال في منزلها.
من الواضح أن الروائية تقدم مشكلة أمام كل شخصية واردة في الرواية ثم تتركها لتجد خلاصها. غير أننا بلا شك نرى تعاطف الروائية مع شخوصها، لها رسالة في كل ما تكتب، تتمثل ببث روح الثقة والاعتماد على النفس، ترى بأن هناك جوانب خير تكمن في بواطن النفس البشرية، تظهر للعلن عندما تحاط بظروف مواتية.، أحيانا تختفي في أجواء المدينة غير أنها تتفتح في أجواء الريف حيث النقاء والبساطة

كتابة المترجم: عبد الصاحب محمد البطيحي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.