Blog

josef fusheh


مقدمة المترجمة
  لم يكن الكاتب النمساوي الأصل ستيفان زفايج؛ ليحد إبداعه وثقافته داخل إطار بعينه؛ فنراه يؤثر أن يترك العنان لقلمه فيما يمليه عليه من تنويعات إبداعية وفكرية وتحليلية ورصدية وتأملية. أما وفرة إنتاجه بين الرواية والقصة والترجمة والسير، وما لها من أثر على الثقافة بشكل عام فانعكاس لوجاهة آرائه وصدق موهبته.
كانت السير التي يقدمها زفايج بشكل خاص تعد واحدة من الأعمال المميزة؛ بما لاقت من إقبال من القراء شهدوا لها بسلاسة أسلوب زفايج وقدرته على سبر أغوار شخصياته واستبصار دوافع أفعالها. غير أن القارئ قد يراوده التساؤل حول اختيار زفايج لشخصيات بعينها؛ وقد نجد جزءًا من الإجابة فيما صرح به في مذكراته \”عالم الأمس\” حين قال: \”ما كان يشدّني في السير التي كتبتُها هي الشخصيات التي نجحت؛ ليس في الجانب العملي من الحياة وإنما تحديدًا في الجانب الأخلاقي. لهذا كتبت عن إراسموس بدلا من لوثر، ماري ستيورات بدلا من إليزابيث، كاستيليوني بدلا من كالفن.\” لكننا نجد بين شخصياته المختارة \”جوزيف فوشيه\” هذا الرجل ذا الأوجه، الذي لم يكن له من الولاء الأخلاقي أو الإنساني ما يزكيه بين شخصيات زفايج المختارة مثله مثل \”ماري أنطوانيت\” و \”ميشيل دي مونتين\”. لكننا بنظرة واضحة لمأساة زفايج قد تتبين لنا بعض الطوافة ؛ التي يقول عنها: \”لقد دمروا منزلي ووجودي ثلاث مرات، وفصلوني عن الماضي وكل ما كان، ثم قذفوا بي بغتة إلى الفراغ حيث المجهول الذي أعرفه ولا أعرفه. ولكني لا أتأسف على هذا. فالإنسان الشريد يغدو حُرًّا بمعنى جديد.\”
اقتلع زفايج من وجوده لمجرد كونه \”يَهُودِيًّا بالصدفة\” على حد تعبيره، مما يجعلنا ندرك أن حديثه عن شخصية مثل \”فوشيه\” كان من منطلق التحذير من أمثاله، وفضح ما تخفيه وجوه الوداعة من دمار وتشريد للإنسانية. تمامًا مثلما تشرد زفايج وطرد على يد أمثال فوشيه ممن يتلونون بين الحكومات المختلفة، وتجري على أيديهم الدماء تحت شعارات من الحرص على المساواة وتحقيق العدالة.
كان فوشيه رجل الحكومات المختلفة. لم يكن لمشهد في فرنسا أن يخلو من بصمة وجوده رغم أنه كان يفضل اللعب في الخفاء. كان تحريضه بمثابة المحرك الذي لا تكاد ترى خيوطه؛ لكنك تدهش أيما دهشة من أثره اللاذع المدمر. حرص زفايج على التركيز على صعوده بما يفضح اللا انتماء الذي نهجه فوشيه عبر تلونه وارتقائه سلم الحياة السياسية. نرى هذا المتلون نحيل الهيئة ابن التجار والبحارة يبدأ حياته العملية مدرسًا كَهَنُوتِيًّا عام 1790، ثم ينهب الكنائس عام 1792. يصدر بيانات شيوعية لينل نصيبه من الجماهيرية عام 1793؛ ثم يجز الأموال جزا ليصبح مليونيرًا عام 1798. يكلل اسمه بلقب شرفي هو \”دوق أوترانتو \” ويغدر بولي نعمته ومانحه هذا اللقب. لم يكن زفايج ليغفل عن مثل فوشيه بما لديه من انتهازية ولا أخلاقية وولاء لمصالحه الشخصية دون غيرها، وبالطبع قدرته على التلون والانخراط بين التيارات السياسية المختلفة بل والمتصارعة. إنه رجل الحكومات المختلفة بلا منازع، الرجل الذي لا مفر من اللجوء إليه في الفوز أو الخسارة، رجل السياسة المحنك الذي ينساب منه الشر كما ينساب الماء.
تنقل فوشيه بين أنظمة الحكم بعد الثورة الفرنسية. لقد تحالف من الجميع وخان الجميع أيضًا؛ دون أن يفقد صلاحياته وسلطاته. إنه مغرم بالسلطة شديد الدراية بخباياها، بل ومقرر المصاير؛ إنه \”جلاد ليون\” الذي ما قتل إلا تحقيق للمساواة، وقاتل \”روبسبيير\” أكبر معارضيه، بل والمحرض ضد نابليون ولي نعمته، وفي النهاية الرجل الهرم التائب إلى الله. إنه هذا الخليط الجهنمي الذي لا تكاد تراه إلا وتشهد فيه دهاءً ومواربة لا يحظى بهما سواه.

تأليف: ستيفان زفايج
ترجمة: زينب محمد عبد الحميد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.