Blog

KAVAREB JABALIA

أنهيت هذا العمل على دفعتين وكان وقعه ثقيلا علي بَدْء من العنوان ومروراً بحكاويه وأحداثهِ وختاماً بنهايته.


قرأت هذا العمل لأستطيع أن أحكم على حجم إبداع الكاتب ولأتعرف على اليمن الحبيب، لم أتوقع أن أضيع في حجم
إبداعه الذي كنت أتوقع أني أستطيع قياسه !
ٍ
ابدأ معكم من العنوان الذي جاء يوحي بصعوبة الوضع والسخرية منه في آن (قوارب جبلية)، إن تأملت دقائق وربما ثوان
ستعرف صعوبة التجديف في قارب على جبل.. كنت على رأسه أو عند آخره، ومن السخرية أيضا أن تضع قاربا على
جبل!!! وهذه دلالة على عبثية الوضع في اليمن. تفتح الكتاب فتجد الكاتب قد قسّم الكتاب ليس إلى فصول بل إلى مجاديف!
وهذا بحد ذاته ذكاء يُحسب له، فكأنما يريدك ويريد لنفسه الاستمرار قِدما وإن كنت تجدف على جبل¿

وكلما كُسر مجداف اسحب مجدافً ا آخر! ، وكانت المجاديف في هذا العمل ٧ مجاديف،
وهذا الرقم فيه من العجب والسحر يكفي بأن يأخذك إلى كل مكان.

تدخل في المجاديف السبعة فتجد أن المجداف الأول كله يدور على باب اليمن وكأن الكاتب يريد إدخالك على عالمهم
وعوالمهم من خلال هذا الباب السحري، وعندما تلحظ إن المجداف الأول قد احتل نصف العمل وأنت لا زلت على باب
هذه المدينة العجائبية فكأنه يقول لك بشكلٍ موارب أن الكلام لا يكفي وأن ّ الأحداث لا يستوعبها كتاب!
منذ الفصل الأول وأنا أتخبط كمن مسه الجن وأنا مبهوت بالأحداث المعروضة سريعة النقلات، الكاتب كان كبائع لحوحٍ
يريد أن يعرض عليك كل بضاعته في آن واحد، كان ينقلني الكاتب ماسكًا بيدي وأنا خائف؛ فأنا لست معتاداً على ما يحدث وأرى كل شيٍء سريالي بحت أو واقعً سحريً مكثّفً، ولكنه يراها هو وكل أهل اليمن شيئًا عَادِيًّا، فالواقعية السحرية والسريالية في اليمن أمر طبيعي يمضغونه كما يمضغون القات.

عندما تمعنت في قلم الكاتب لم أجده سرياليا ولا حتى واقع سحريً، لم أره يتجه لهذه المدارس – كما قالوا – رغم إن الحكاية في اليمن تذهب لهذا المنحنى رغماً عنه، ولكن قَلَم وجدي وكتابته هنا كانت تجريديّة تنبثق من أعماق الاتحاد بالأشياء ورؤيتها مجردة من العمق حتى التشكل الظاهري، وقد استعمل شعوره بالألفاظ وجردها من بُعدها اللغوي لتوصيلي بمقطوعة تنقل إحساسي قبل التوصيل المعنوي لها. وكان خيار الكاتب موفقًا جدا في اختيار الكتابة التجريدية في الحديث عن بلدٍ كاليمن كل ما فيه يدعو للتجريد من أي شيء، وكما قالوا “الكتابة التجريدية لا تكون إلا بلحظة
شعورية عميقة وقوية وبإدراك احساسي كبير للمعاني وبتجلي تلك اللحظة الشعورية وذلك الثقل اإلحساسي في الكتابة”،
وهكذا تولد التجريدية بكلماتٍ تتوهج وتشع بمعانيها وتختلف في صدمتها الشعورية وليس في مرجعياتها الفكرية. وعندما
تعرف الجو العام أثناء صناعة هذا العمل والذي نَتَجَ عنه أيضاً تفهم ما يُقصد بِالثِّقْلِ الكتابي.

يبدأ دخولك الباب بشعارات ملتصقة عليه، فيها نزاعات بسيطة بين شبابٍ يسمون أنفسهم بالعلمانيين وآخرون يدعون أنهم
إسلاميون، وتنتهي هذه المنازعات بشكل مفزع تصل للقتل، وتنقل بصرك لتبدأ مع المجانين والمرتزقين والشحاذين
والقتلة واللصوص ووالمغتصبون ووالمكبوتون والمساكين والمستشرقون والحبشيون الفارون…، وبعد أن يُكسر معك المجداف
الأول وتدخل من باب اليمن بعد ما تلقيت ما تلقيت، تجدف بمجدافك الثاني والثالث وأنت مختلج.. تبدأ بالتعرف على
الشخصيات أو أشباح الشخصيات فكل الشخصيات رمادية وهامشية في اليمن ومعطوبة بالكامل لا تدل على نفسها ولا
مسماها فـ”سعيدة” لم تذقها ولا تعرف معنى السعادة أصلا!! ، و”سيف” كان أضعف من أن يقطع ورقة! .
الوجود للبطل في هذا العمل والوجود للزمن أيضاً، والأحداث كلها متقاطعة في بعضها بمحض الصدفة وتنتهي بغرائبية
صرفة، المكان هو البطل وسيد كل شيء وعجائبيته جز ٌء منه.

تستقر السريالية كلما دخلت أكثر في العمل – أو أنك اعتدت عليها! – ولكن يبقى الجو التجريدي حاضراً وبقوة في كل
المجاديف، وفي المجداف ما قبل الأخير تشعر بأن الأمور تسري على ما يرام إلى حدٍّ ما، ولكن ما إن تصل إلى المجداف
السابع تعود العجائبية في تخابط مميت وتتسارع الأحداث ويبدأ الكاتب بتسريب الرموز لك واحدة تلو الأخرى، فقد لمح
بشكل محزن في أحد المجاديف السابقة بموت العلم وأهله، وفي نهاية المجداف( “سيف” الشاب المحب جدا للعلم والذي
يطلبه ليل نهار) يموت بشكل عجائبي وغير متوقع، وكأنه يرمي لموت العلم بين الجيل اليمني القادم ومن ثم تهرب أم سيف وسعيدة إلى المسجد ويموت زوج أمه الطاغي بشكل غرائبيٍّ أكثر من سيف ليرمي بموت الطغاة ليترك الموقف فارغًا لمستقبل اليمن المجهول…

يعود في لقطة مستبعدة بزواج “سعيدة”(الهاربة من التشدد الإسلامي والكارهة لهم ) مع إمام الجامع الكبير ومفتي الديار مع زوجاته الثلاث..!!
وتقبل به زوجا لها بإراداتها الكاملة، وقد شرط عليها شرطا واحدا هو أن يتم الكشف عن عذرتيها من قِبل نسائه،
والغريب هنا أن سعيدة قد اغتصبت عدة مرات في سجنها وبعده أيضاً..!!!

بعد قبولها.. كان الكشف عنها أنها بِكر ولم يمسها بشر!!
وهذه رمزية أجد لها كثيراً من التأويلات أبسطها إعادة بصيص أملٍ وحياة لليمن بعدما أغتصبها الطغاة وأصحاب
المصالح الخارجية.

النهاية كانت العجب كل العجب.. فحين تمضي الأيام بـ”سعيدة” مع زوجها الإمام يلحظ أنها مليئة بالفراغ وهذا قد يجلب
لروحها السأم ومن ثم قد يدفعها للزنا (كما يرى هو) ، فأمرها بالتعبد والصلاة والقرآن، ففعلت ورغم ذلك بقي لديها
الفراغ فشجعها على الدعوة في سبيله!!

هــنــا تصعد سعيدة إلى سطح البيت المكون من ‘سبعة طوابق’! ومن ثم “أطلت برأسها على باب اليمن. بذهول خفي
وارتياب طائر، رأت باب اليمن وقد صار شيء آخر تحول باب اليمن إلى غابة عظيمة من أشجار باسقة شديدة الارتفاع،
بُنيّة اللون، يتلألأ نوارها المسافر في عنان السماء كقبعة فاقعة الاحمرار، وغاب أولئك البشر اَلْمُشَوَّهُونَ ليحل محلهم
أطفال صغار، يرتدون بناطيل طويلة بنية بلون لحاء الأشجار تصل إلى أثدائهم، وعلى عواتقهم قمصان حمراء في حمرة
النوار المخضل بالندى، وهم يجرون ويمرحون بفرح لا يصدق وسعادة مطلقة لا سبيل إلى تصورها.”

تمتلئ سعيدة بالإصرار والعزيمة للخروج إلى الدعوة وعند باب البيت: “حين وضعت قدمها على عتبة الباب، حارت أية
سكة تسلك، فلما استخارت ربها انبلجت من سرتها سكة فسارت فيها.. فإذا السكة بداخلها سرة، والسرة بداخلها سكةٌ
أخرى، والسكة الأخرى بداخلها سرة أخرى إلى ما لا نهاية من السرار والسكك الداخلة في بعضها البعض…” !!!

أي جنون أكثر من هذه النهاية؟ وأي تجريد أكثر من أن جيل اليمن القادم سيكون طريقه صعبةً صعبة ومتاهة ملعونة؟ ،
واختيار طريق التغيير الذي يجب أن يسلكوه أصعب من التغيير نفسه.!¿

العمل رائع وجميل ويستحق القراءة والمضي في قراءة أعمال أخرى له، ولكني أرى الأحداث كانت سريعة ومقصوصة
ومكثفة بشكل مبالغ وكأن الكاتب خائف من شيءٍ ما، أو ارتبك من كمية السريالية والسحر وأراد إنهائه بأي ثمن.. شعرت
بكل فصل أن يخبرني بالمزيد، لكنه كان يتركني بعد انتهاء كل مجداف متجمد أتردد بالتقدم أو العودة وفاتحاً فاهي
ومنتظراً بأن يكمل المسألة التي فتحها.

أتوقع كل هذا القص من العمل وحسب سيرته الصعبة، كانت سياسة البلد والوضع الخطر هو ما أجبره على حذف الكثير
والمواربة كثيراً.

ولكن أنا سعيد بهذه التجربة وبأن كل هذه المخرجات كانت من عمله الروائي الأول للكاتب وجدي الأهدل، المكتوبة سنة
2002

ً

أ. سامر آمين

3 تعليقات

    • آية طقاطقة

    • شهرين ago

    قراءة تحليلية متقنة ورائعة سلمت يمناك أستاذ سامر

    • وجدي الأهدل

    • شهرين ago

    أتشرف صديقي العزيز سامر بهذه القراءة الفاتنة لرواية قوارب جبلية، لقد توصلت إلى دقائق النص وخفاياه، واستنتجت ما أخفاه المؤلف تهيبًا من عيون الرقباء، وأدركت بحسك المرهف الأسلوب الأدبي الذي أملاه واقع بلد يسير نحو الهاوية.. ووقتها (2002) لم تكن هذه الهاوية منظورة لكثيرين.. ولكن الآن بعد مرور عشرين عامًا، يبدو الواقع مشابهًا للخيال في الرواية.. سعيد جدا بحروفك التي أشرقت نورًا في قلبي.

    • آية طقاطقة

    • شهرين ago

    نستطيع أن نقول قراءة جوهرية فاتنة من كل الجوانب شرفنا حضورك الكريم أستاذ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.