Blog

khaibar

غزوة خيبر
بحمد الله تعالى صدر الكتاب الأول من سلسلة ملفات السيرة النبوية ، والتي اخترت فيها ملف غزوة خيبر بقضاياها ومشروعها ورؤيتها ؛ وهو كتاب لا شبيه له في مادته وضعت فيها خلاصة منهجي الفكري والعقلي، إذ كان عليّ أن أقدّم منهجية جديدة للنظر والتحليل، وأن أجعل نفسي في قلب التجربة النبوية، وأن أتخيل نفسي تارة في مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتارة عن يمينه، ومرةً من ورائه، وأخرى أتكفّأ فيها قُدّامه، وتالياً أنظر إليه من بُعدٍ، وتطلّب الأمر مني أن أعاين المشهد من جانب خصومه وأعدائه، وأن أحاول استنطاق كل شيء من حوله، وأن أفهم سبب كل شيء ونتيجة كل شيء في أيّ حدث، وأن أكشف المستور الذي لا يلتفت له الباحثون والناظرون والأعداء والمحبون إلا من زوايا ضيقة صغيرة أو نوافذ مفتوحة غير مظللة، أو يتطلعون إليها من مناطق مظلمة أو مناطق مضيئة، أو يقرؤونها استناداً إلى افتراضات مسبقة إيجابية أو سلبية؛ ولا أعني بذلك الحياد، فالحياد قضية موهومة لا توجد، ولكنني أعني التقدير الموضوعي للأحداث، ووضعها في سياقها الظرفيّ المنطقيّ الذي يُفهَم في إطاره الزماني والمكانيّ الخاص.
ولم أسعَ في هذه السلسلة أن أقدّم تنويراً سياسياً أو دراسة عسكرية أو وعظاً تربوياً أو درساً فقهياً أو قراءة حركية أو تنظيراً أصولياً …، كما لم أسعَ إلى بناء نظر فلسفي للتاريخ في المقدمات أو العرض أو النتائج؛ بل كان سعيي إلى تقديم مشهد كامل مترابط الأجزاء يتصل ببعضه في كل جانب، ويشرح أسباب الاتصال وطبيعة الأحداث وتوقعات النتائج وتظهيرها بصورتها الكاملة التي كانت مخفيّة أو ناقصة.
في منهجيتي هذه لا أقرأ الأحداث منفصلة عن بعضها، ولا أبحث عن الفوائد المستوحاة من النصوص التاريخية أو العبر والعظات فيها بتلك الطريق التقليدية التي تقترب من الحكايات الجاهزة والسرد القصصي والقياس المنقوص، كما لا أبحث عن الأحكام وكيفية استنتاجها، بل أبحث عما جرى ولماذا وكيف ومتى، وأسأل الأسئلة السهلة والصعبة والغبية أيضاً، وأسأل الأسئلة الجريئة كثيراً، ولا أستفزّ أحداً بشدة في أسئلتي الجريئة وإن كنتُ أعلم أن هذه الأسئلة لا تعجبهم لأسباب تتعلق بالالتزامات المذهبية لكل فريق في مربعه الفكريّ؛ فالباحث هنا لا ينبغي له أن يعادي أحداً على حساب الحقيقة، ولا أن يتطرف في حب أحد على حسابها أيضاً، فمحبتك ومعاداتك لأي حدث تاريخي أو أي شخوص فيه أمر لا يفيد الحقيقة ولا يتركب عليها علم ولا معرفة؛ والمذهب الحق في كل معالجة موضوعية يقتضي التجرد؛ ولهذا تراني غالباً لا أستخدم اللغة المنحازة ولا أضع الألفاظ المفخّمة ولا أستخدم مصطلحات الفتنة والمؤامرة في أي اتجاه، ومع ذلك فإن مساري واضح، ولا أجده يتعارض بالمرة مع معتقداتي وإيماني في فضاء القيم والمبادئ والأصول.
إنني هنا أقدّم رواية تستند إلى البحث في يوميات السيرة النبوية من خلال اختيار ملفات حساسة قد استغرق الناسُ سابقاً في دراستها وفهمها وتلاوتها وحكايتها وفرز معطياتها وحتى نقدها… ولكنها تبدو في معظمها تقليدية متشابهة تعبر عن نظرات فئوية أو مذهبية أو موظّفة لإثبات موضوع أو نفيه؛ أو أنها تحليلات تتعامل مع النص المنزوع من سياقه العريض أو المتداول في دائرة بحث ضيقة؛ وأكثر ما تكون المهارات التحليلية عندهم في استنطاق الحدث الكبير ورؤية ما ترتب عليه من وقائع وصبغه بعصارات التجارب الذاتية، وتلوينه بالأسلوب الشخصيّ، والخلفية التخصصية.
قد تبدو منهجيتي نظرية مثالية صعبة التطبيق في رأي بعضهم، لكنني عندما أقدّم دراستي المعمقة هنا فأنا أمارس منهجيتي وأطبقها، وأضعها بعد ذلك للنقد المميِّز.
وعندما أتحدث عن اليوميات فأنا لا أتحدث عن تجزيء الحدث وفصله عن بعضه، بل عن تقسيمه في قوالب زمانية متصلة بأزمنة قبله وبعده، وهو الظرف الزماني للحدث الذي يعني أن المساحة الزمانية التي استغرقها الحدث لتسجيل وقائعه في جغرافية مكانية متحركة مع تداعياته وارتباطاته بالأحداث الأخرى المتعلقة بموضوعه؛ أي أن فهم الحدث عندي فرعٌ عن فهم المشهد الكلي الذي تركّبه الأحداث الواقعة؛ولذلك لم أتعرض لمشكلة كبيرة في ترتيب الأحداث زمانياً رغم المعاناة التي كانت تصيبني دائماً نتيجة ذلك.
والوصول إلى اليوميات واحدة من أصعب المسالك في الدراسات التاريخية، إذ يتطلّب قدراً كبيراً من المعطيات، كما يتطلّب التأكد من هذه المعطيات في سياقها الزماني، ومدى تلاؤمها مع الظروف الموضوعة فيها، والتحقق من مصداقية محتوى الرواية والمدى الزمني الذي تحتمله، لاسيما أن كثيراً من الرواة يختصرون الأحداث ويقتطعونها من زمانها ويركبونها مع أحداث أخرى متباعدة زماناً ومكاناً ويقومون بعملية تقريب اجتهادية لأمور يظنون أنها تتناسب مع الموضوعات.
إن فهم الحدث التاريخي مقدّم على الاستدلال به والحكم على وسائله ونتائجه وعرض فقراته، ولا يجوز القفز عن الأسئلة الموضوعية التي تطوف به وتتعلق بجوانبه؛ فهذه الأسئلة كثيراً ما تكون مفتاحاً لفهم أكثر وضوحاً ونضجاً.
وحتى نحقق الفهم فلا بد من أن نمتلك نمط الرواية المتماسكة الرابطة لأطراف الحدث والتي تنقلنا بتدرّج واعتدال ومنطقية إلى الحدث التالي وفق المعطيات المتوفرة؛ وهذا يتطلّب من المرء قدرة فحصٍ استثنائية على إدراك الروابط الخفيّة التي قد تتضح بالنظر إلى الروايات الأخرى للحدث سواء بالزيادة أو بالمخالفة؛ وكثيراً ما يتعلق الأمر بتعديد الفرضيات حتى الوصول إلى رابط ذكيّ يكون مستبعَداً تماماً رغم شدة وضوح ارتباطه بحيث إن الرواية تغفله تماماً أو تهمله عمداً.


مراجعة د. أسامة الأشقر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.