Blog

kuboor

قبور الأحياء- غفران سليمان كوسا
250 صفحة إصدارات ديوان العرب للنشر والتوزيع- وطن العرب
سأتحدث مطولاً

تخونني ذاكرتي كثيراً ولكن ما أود قوله بأنني ورغم سلاستي مع الكتاب اعترف بأنني قاسية في الأحكام حتى على نفسي أكثر قسوة ومحايدة ولا أنتبه لأي اعتبارات عندما أقول وأكتب رؤيتي

كقارئة بتواضع وثقة بالنفس لا أقول كما ديلي تلجراف \”ملحمة مثيرة فقط سأضيف قول الفاينشل تايمز:
قبور الأحياء\” نصر أدبي \”

الرواية سردية موثقة تتحدث روايتها عن قصة لفتاة شامية تعثرت بها الحياة في الطفولة ليتعثر صباها وتتعرقل بفجائع الحرب وطغيان الجهل وتمدد الطائفية وزرعها وتغذيتها وأطماع ذوي المصالح والقتل المحلل المشروع في حرب لا مبرر لها كبقية الحروب
أنها حرب الأهل مع الأهل وبحراسة أبناء العمومة

عنوان لائق جداً فإن كان مسمى القبر للأموات فهو للأحياء أكثر

الزمن لم تدخل الكاتبة الزمن بالتحديد ولكن من بداية الحدث يعرف القارئ بالتحديد التاريخ المقصود.

استخدمت الكاتبة أسلوب فلاش باك في سردها وهذا ما يجعل القارئ المبتدأ يشعر بالتوهان ولكن تدارك الكاتبة يجعلها تصحح مسار تساؤلاته بحبكة مذهلة لم أتوقعها حقيقة مستوى أدبي رفيع وحنكة ذهنية وإخراج مبدعة
: رافقني القلم لنكتب أنا وهو من روحي… تصالحت مع نفسي وتخليت عن اتهاماتي بعقم حليب الحياة الذي رضعته من أثداء الحضارات العربية المتورمة بالطائفية واتهامات الآخر بأنه سبب النكبات

— لغة الحوار بين الشخصيات لها وقع المفاجآت وذلك للمخزون اللغوي والثقافي لدى الكاتبة

وضعت يدها على الحقيقة في سردها عندما ذكرت بشكل أو بآخر على لسان زوجة الشيخ العقيم:
تمنيت أن يحظى بابن يناديه بابا أمام الناس حتى لو لم يكن من صلبه هو لا يدعم الاقتتال لتحقيق مطالب المجتمع بل في قرارة نفسه يساهم في قتل أولاد الناس ليتساووا معه،

يا للحزن والقهر والظلم الذي يمارسه الإنسان على أبناء جلدته ومختبئ بعباءة القيم والتعاليم بالكذب.
: ها أنا اقتات على دماء إخوتي
يا لبلاغة الوصف وكبر الألم وعمق المعنى،

جملتها بالحكمة الفقراء يا صديقتي منذ القديم حطب الحروب أما الأغنياء الخائفون من قرصة البرد والمرض لا يوفرون أخضر ولا يابسا ليتقوه.

الرؤية المصورة للحدث لم تكن كافية ليدخل عقل القارئ ووجدانه في دهاليز الرواية ويعيش في خلاياها واعتقد أنه لو حدث ذلك لأثقل كاهل الكاتبة بالمزيد من المتاعب النفسية والجسدية فالراوية تتحدث عن روحها ودمها أنها بلادها،

* خلال السرد أظهرت الكاتبة عدم المبالاة لحدث ما ولكنها تظهر الغضب من خلال زجها لمصطلحات موجزة تفي بالغرض لقارئ جيد يستنبط كل حس وحرف مكتوب أو يمكن استحداثه

ربطت الكاتبة روايتها برواية كورونا فالحرب وكورونا وجهان لعملة واحدة

من حيث بلاغة ذات مستوى فوق الامتياز وأقول بحق (أن أقوى ما كتب عن القاتل كورونا هو ما وصفته به غفران سليمان)
وضعت الحق في نصابة وتعلم جيداً متى تضع النقطة في الأسفل أم في الأعلى-
امتلاك الخبرة وتكثيف الاضطلاع على عوالم الغير وتاريخ وعهود سابقة لتحيكها بمهارة لغوية وحسية نادرة أن نصافح مثيل لها
— رواية تجمع النقائض
ليكونوا أزواج أو صديقات، أو محاربين يدافعون عن وطن واحد
إضافة إلى الفضيلة المدنسة بالرغبات والأمراض النفسية والحاجة والوجاهة

ذكاء خطابي ودقة في سرد الأحداث لا يجعل القارئ ينتصر عليها ولو بكلمة سقطت سهواً،
في جملتها (آمنة تعتبرك ابنتها)
وبعد شوط من القراءة تراجع البطلة ذاكرتها لتقول: لماذا لم يقل (ابنتنا)؟ خفت من نبرة صوته لماذا لا أشعر بالامتنان تجاه هذا الرجل
وعندما سألتها؟
تبتسم زوجته وتقول: ستعلمين بعد حين.

كاتبة تجيد القبض على الفكر لديها وتخرج الأحداث بلا ثغرات من خلال حبكة عبقرية

تعمدت بتساقط بعض الأحداث أو استبعادها من ذهن المتلقي فيتوهم القارئ بأن هذا أسلوب جديد للرواية أو كما عهدناها في موجز قصصها تترك التأويل دوماً ولكن سرعان ما نجد أنها تعود وتربط أحداثها المروية وكأنها تراوغ القارئ لتعيده لصف حكايتها
بعد كم هائل من الصفحات تمرر الكاتبة مشاعرها وأفكارها ونبوءتها ومواقفها تجاه كل ما يحدث في محيطها وبلداتها دون أن يلمس ويلتبس القارئ فهي لم تكتب عن نفسها ولا عن قصتها هناك راوية أخرى عاشت الحدث ومجريات الرواية وهنالك الكثير والكثير-
دست الكاتبة الحزن المعتق في سياق جملة بكلمتين في منتصف أو أواخر كل صفحة تنتهي من ثقلها

صفحات 107- إلى 112
عربية أصيلة تقشعر لها الأبدان

* كلمات مؤثرة\” حرب بلادي مع نفسها، تؤججها نظرات ونوايا وأيدي العالم كله \”

هل يوجع الحرق إلا صاحبه؟ من اشتعال حرب لا تشبه الحروب قاسية مدمرة لم يمر على البشرية حرب أغبى منها ولا أبشع،
عنصر الربط والمقارنة بين روايتين كورونا وعطشها لقبض الأرواح دون تميز صغيراً وكبيرا غني وفقير عالم وجاهل ربطها بجشع وقذارة الحرب التي لا تخلف إلا الأيتام والأرامل والدموع الملونة وحروق القلب التي لا تبرأ
كذلك الرغبة من الانتقام حتى من الأشياء الجميلة التي نحبها والمبادئ التي تربينا على أصولها،

هذه السردية والملكية المتفردة والفصاحة والبلاغة الأدبية جعلت الكلمات لا تتراقص لأنها ليست بشعر بل جعلتها تتقافز كغزالة تتنقل بين ربوع مواطنها اللغوية وتنتقي الأفضل لتقدم رسالة في سماوات الأدب
كتابة بمونتاج رقمي بتركيب صوت وصورة وإحساس إنساني لا يدركه ولا يتألم له إلا من عاش التجربة عن قرب لكن الكاتبة هنا أوصلته لكل إنسان في العالم مهما كان عرقه وأصله وتركيبته وطائفتيه التي كانت وما تزال العقبة في وجه السلام الإنساني الذي أوصت به السماء

الحب مرتبط دوماً بالحرب في كل بقع العالم

أظهرت الكاتبة الحب وتجليات العواطف في خضم حرب ضروس وأججت مشاعر الأم والأخت والزوجة والعشيقة ودائماً ينتصر الحب حتى لو مات المحبون لكن الحرب لا تؤمن بالحب ولا بآهات العاشقين* * لم ننم في سلام ولم نكن سالمين كما ذكرت في زمن السلام النائم على طاولات الأمم المتحدة وعلى أروقة قاعات جنيف، ذلك السلام الذي ينزف دماً وخيبة منذ قرن ونيف على أرض العرب ” ” وازد لك أن جل ما يستطيع أن يوفره الأعراب في سلامهم هو الإعراب عن القلق ” “. * *- رواية ومن منظوري وقراءتي ومعرفتي تضاهي روعة الغاب لأبتون سنكلير والتي أحدثت ثورة في تاريخ أمريكا وليست بسحر صورة عتيقة لاكابيل اليندي أو بمذهلة كويلو الخيمائي بل إنها بحجم وقوة وتأثير ومنزلة(ألف شمس ساطعة) لخالد الحسيني التي اكتسحت العالم أجمع وأثرت به وستبقى مرجعاً وتاريخاً شاهداً موثقاً على مر السنوات لأجيال بعد بعد أجيال. هنيئاً لك أستاذة غفران هذا العمل والتقدم والرسالة الرائعة
هل من مزيد؟


مريم حوامدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.