Blog

mataha

“ليس للروايات بدايات معينة ولكن للروايات مداخل متعددة”
خوليان كاراكس
.
متاهة الأرواح هي الكتاب الرابع من سلسلة مقبرة الكتب المنسية لكارلوس زافون، ومع أنها الجزء الأخير لكنها أيضا تشكل بداية القصة أو مدخل من مداخلها.

الكتاب الأخير جاء في 1040 صفحة، أكثر قليلا من ثلث عدد صفحات الأجزاء الأربعة مجتمعة، في هذا الجزء يربط زافون الكتب الثلاثة السابقة معا ويقوم بحل الأحجيات العالقة، وفيه نعرف من الذي كتب المجموعة ونعرف المصير النهائي لشخصيات ظل الريح ولعبة الملاك، ونلتقي بشخصيات جديدة حيث تلعب الفتاة إليثيا دور البطولة بشخصيتها التي تشبه شخصية قطة بسبعة أرواح.
موضوع الأرواح السبعة ومع أنه يضيف مزيدا من التشويق للعمل لكنه قد لا يروق للقارئ الباحث عن منطقية القصة، وقد يرى فيه البعض استخفافا بعقل القارئ، والحقيقة إذا أردنا الاستمتاع بالرواية لا يجب علينا الوقوف طويلا أمام البعد الزمني لأننا سوف نلتقي بشخصيات لا تشيخ وشخصيات تشيخ بسرعة رهيبة.

1040 صفحة هل هو عدد صفحات مبالغ فيه؟، هل كان بإمكان زافون اختصاره إلى النصف؟
الإجابة هي نعم، زافون هنا غرق في الألعاب الحركية والمشاهد المسرحية على حساب القصة أحيانا، وتوجد فصول وحوارات في هذا الجزء توحي بأن المؤلف أصبح يميل لكتابة السيناريوهات وهو أمر لا نستغربه من زافون الذي أنفق مدة من حياته في كتابة سيناريوهات المسلسلات في أمريكا، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الجزء الأول صدر بالأسبانية عام 2001 والجزء الأخير صدر عام 2016 فمن الطبيعي أن نتوقع تغييرا في الأسلوب. لكن عزيزي القارئ هذا لا يعني أن متاهة الأرواح كتاب ممل، في الواقع أن نسبة التشويق فيها تحبس الأنفاس وتجذبك للقراءة حتى النهاية.
من أسباب نجاح مجموعة مقبرة الكتب المنسية هو أسلوب السرد ونوعية الشخصيات والسخرية اللاذعة في كل جملة من الجمل، أحيانا وأنا اقرأ كنت أغرق في اللغة والأُسلوب أكثر من الغرق في القصة ذاتها. زافون يسخر بصورة رهيبة من رجال الدين ومن عوالم السياسة ومن الأدباء المُزيفين، ولا يتأدب معهم ولا يقف على الحياد ولا يكتفي بالخطابات، بل يميل للسخرية الحقيقية والحلول العنيفة، يعتقد أن لكمة في الوجه أفضل من خطبة طويلة في مقهى حقير تختبئ فيه المعارضة بعيدا عن السلطة. ربما نجحت المجموعة لأن فيرمين وإليثيا ودانيال قاموا باللازم مع وحوش يخشى القارئ العادي من مجرد انتقادها.
أجواء المجموعة كلها أجواء شتوية باردة فمغامرات الشخصيات تدور في فصل الشتاء في الفترة بين نهاية ديسمبر وبداية فبراير ولا نقرأ أحداثا تذكر في فصل الصيف، كأن الكاتب أراد أن يضفي أجواء من الرهبة تشد القارئ للغرق أكثر وأكثر في ألاعيب ضبابية.
قام بترجمة المجموعة إلى اللغة العربية المترجم السوري Muauia Alabdulmagid، الترجمة متقنة وحافظت على أسلوب زافون، وأظن أنه لولا جنون معاوية لخرجت الترجمة بصورة كلاسيكية مملة، فالمترجم في كل الأحوال لا بد وأن يترك قسما من روحه في النص، وإذا كانت روحه خاملة فسوف نجد بين أيدينا نصّا من أوراق القرنبيط الصفراء.
صدرت متاهة الأرواح عن دار الجمل في 1040 صفحة، وهي الكتاب الرابع والأخير من رباعية مقبرة الكتب المنسية (ظل الريح، لعبة الملاك، سجين السماء، متاهة الأرواح).
عمل طويل يتميز بالشخصيات المعقدة نفسيا والمجنونة والتي ينعكس جنونها على النص نفسه وربما على نوعية معينة من القراء أيضا. من يدري.


ترجمة معاوية عبد المجيد
قراءة خليل ناصيف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.