Blog

yatihoon

رواية «يتيهون فيها»
للكاتبة الأديبة الأستاذة نهلة الهبيان
((لعله يطول بنا هذا اللقاء؛ وأرجو أن يكون طولا خفيفا))
كنت عزمت على الكتابة عنها، وتقديمها للقارئ المتأدب بصورة تليق بها، وتُعَرِّفَهُ بحاق فضلها وقيمتها، ولكني ما كدتُ أُمْسِكُ القلم حتى شردت مني كل فكرة كنت ادخرتها، وأعياني تعقب اَلْفِكْر من هنا وهناك، ثم أخذت القلم أخرى فكتبتُ شيئا لا أرضاه لِأَقَلّ من هذه التحفة جمالا وقيمة، فكيف بها!
ثم أحجمت وتراجعت حينا، وعلمت أن هذا العمل الكبير يلزمه جهدا كبيرا، فأعدت قراءتها فتبين لي فيها أشياء كنت غفلت عنها، وعادت لي أَشْيَاء كانت هربت مني. ثم إني أكتب الآن ولا أزعم أني غلبت عجزي أمامها، وإنما أكتب شيئا لا أحسب في وسعي خيرا منه.
«يتيهون فيها»: هي رواية أجيالٍ من طراز فريد يكاد يكون معجزًا، هي شهادة على مخاضٍ كان يُرجى أن يكتمل نتاجه خلقا سويا، شهادة على فترة حملٍ لجنين الحرية في شهوره الأخيرة، شهادةٌ صادقة كل الصدق، حقيقية كل الحقيقة، بليغة كل البلاغة، معبرة كل التعبير.
وهي بعد عملٌ درامي قد استوعب كل فنيات الإخراج بأدق تفاصيلها، ولم يبق إلا أن تنقله الشاشات لعامة المشاهدين، وإن كان المتأدب يرى في جمال العبارة المقروءة، وإبداع الكاتب في تصويره، ومساحات الخيال التي يلعب فيها، يرى في كل هذا جمالاً لا يدانيه جمالٌ.
على مستوى العنوان: أرى أن الكلام عنه من شقين:
الأول: من حيث منشؤه: ففيه تأثر واضح بالقرآن وما ذكر من تيه بني إسرائيل، ((فإنها محرمة عليهم أربعين سنة، يتيهون في الأرض)) وكل ما جاء في الرواية من ((قبل التيه)) و ((بعد التيه)) وما بينهما من مكان التيه، كل هذا فيه تأثر واضح بالقرآن.
ثم إن أحداث الرواية التي تدور في مصر، وهي نفس المكان الذي أراد بنو إسرائيل الخروج منه وتاهوا فيه، يوحي بأن هذا التأثر ليس لجرس الكلمة الموسيقي، ولا كان اختيارا عبثيا، بل يحمل دلالات كثيرة جدا، وقواسم مشتركة كثيرة بين التيهين لمن تدبر!
الثاني: من حيث أداؤه لوظائفه الفنية، وقد أدى هنا ثلاث وظائف:
1- الوصفية: فقد جمع العنوان بكلمتيه وصف أحداث الرواية، بل أحسب أنه وصف لحال القارئ نفسه مع الرواية المحيرة تلك، فكان شاملا لكل ما يتعلق بالرواية قارئا ومقروءا.
الوظيفة الإيحائية: فكان الغموض الذي يشوبه موحيا بطبيعة العمل الذي تقدم عليه.
الوظيفة الإغرائية: ولا أحسب أن أحدا اطلع على العنوان ثم لم يتملكه الشغف لمعرفة ما يحويه هذا العمل!
ولا أخفيكم أني قاومت هذا الشغف كثيرا، ودافعته مدافعة حتى لا أغير سنتي في القراءة التي اتخذتها، وهي أني لا أدع كتابا لآخر حتى أنهي الأول.
أما الزمن: فهو أكثر ما حيرني في هذه الرواية، ويمكن تقسيم الأزمان فيها إلى ثلاثة أزمان رئيسية:
الزمن الأول: قبل التيه.
الزمن الثاني: زمن التيه.
الزمن الثالث: بعد التيه.
أما الزمن الثاني فينقسم إلى:
الزمن الأول: زمن الحكاية ((وهو بعد التيه))
الزمن الثاني: زمن الحدث ((وهو التيه نفسه))
الزمن الثالث: زمن الذكرى ((وهو ما قبل التيه))
ثم إن الزمن الأول الذي هو زمن الرواية ينقسم إلى:
زمن الرواة الأُوَل: وهم الأسرة الأولى الأم وفاء والزوج رفيق والبنتان.
زمن الراوي المتأخر: وهي الحفيدة المتأخرة.
هل لاحظتم كل هذه الأزمان؟! وهل أدركتم الآن سبب حيرتي في الزمن؟! هذا ((التيه)) الذي يصيب القارئ بسبب الزمن أزعم زعما أقرب للجزم بأنه لم يفلت منه أحد.
ولكن خذ الأعجب يا صديقي: هذه الأزمان كلها كانت الكاتبة تنتقل بينها بكل يسر وسهولة، وسرعة خاطفة لحظية لا تكاد تُدرك، كأنها عجنت كل هذه الأزمان عجينة واحدة تشكلها كيف شاءت!!
لقد رأيت شيئا شبيها بهذا في رواية ((عالم صوفي)) التي تتكلم عن تاريخ الفلسفة، ففي فصولها الأخيرة كان هناك تنقل سريع بين زمنين، ((زمن صوفي أمندسون)) و ((زمن هيلد موللر كناغ )) ولكنه كان معروفا متوقعا، وبين زمنين فقط!!
أما هنا كان الانتقال مباغتا جدا، خاطفا جدا، وموفقا جدا، وبين أزمان كثيرة جدا ((بالنسبة لعمل روائي))!
أما عن الحبكة: فقد كانت مذهلة في إحكامها، ودوران كل حدث صغير وكبير عليها، وتأديته وظيفة فيها!
لقد اعتمدت الكاتبة في صنع الحبكة على أربعة رواة، وأدارت الرواية على ألسنتهم، فكأنك تسمع نفس القصة بوجهات نظر مختلفة…!
وكأنها أعطت الفرصة لمن أسيء فهمهم أن يدافعوا عن أنفسهم، وإذا بك أمام رفيق، ذلك المادي المتجاهل الذي لا يهتم إلا بعمله، متبلد المشاعر، متحجر القلب ((من وجهة نظر وفاء))، إذا بك تجده ذلك المسكين خلف الأسوار يقوم شابا بمساعدته في مرضه، ثم هو يطلب مسجلا يسجل عليه ما يهذي به تحت تأثير ((البنج)) في غرفة العمليات، ويسجل لنا أصدق عاطفة وأبعدها عن التكلف، ثم موقفه على فراش المرض في نفس المشفى الذي كانت به وفاء ((وما جاء على لسانه هو كراوٍ ساردٍ))، كل هذا أظهر معدن رفيق الأصلي بعيدا عن تصورات وفاء عنه، وبين أنه مقهور مظلوم ضحية لفساد اجتماعي!
وكأن الكاتبة أرادت أن ترسل رسالة خلاصتها: هؤلاء الذين يظهرون القسوة ويبطنون الود والمحبة والوفاء، هم أثمن وأغلى ممن يظهرون المحبة وهي ليست متأصلة فيهم، بل يتكلفونها، أو تظهر منهم لعارض، فإن زال العارض زالت مظاهر المحبة، لهذا لا يكاد أحد يصل لدور رفيق في السرد إلا أشفق عليه وعذره، وربما لام وفاءً على عتبها عليه.
إدارة الرواية على ألسنة أربعة رواة، جعل الرواية تبدو كأنها لغز كبير، كل حدث صغير أو كبير هو قطعة من هذا اللغز، فإذا أنهت الحفيدة ((آخر الرواة)) كلامها، رأيت الصورة كاملة واضحة، ورأيت اللغز قد حل وانتهى!
والأمر الآخر والمهم هنا: هو اعتماد تقنية الفلاش باك، ومما يجعل هذه التقنية خطيرة في أسلوب السرد، أن النتيجة تكون معروفة مسبقا، مما يوجب على السارد أن يختلق أسبابا جديدة للدهشة، وأن يجعل الإثارة داخل الحدث نفسه لا مكتسبا من نتيجته!
وهذا يجعله يبذل جهداً أكبر في صنع نتائج صغيرة جدا، وكثيرة جدا، وغير متوقعة أبدا داخل البناء السردي، وهو وإن كان أصعب بكثير من إخفاء النتيجة النهائية والاعتماد عليها في الحفاظ انتباه القارئ، إلا أنها أكثر متعة وتشويقا وحرارة منها.! وقد تمكنت الكاتبة من صنع هذه النتائج الكثيرة للأحداث الصغيرة وغير المتوقعة، فحافظت على حرارة الأحداث، والتشويق، والإمتاع في نفس الوقت! فهي رواية مبنية بناءً منطقيا وفلسفيا في غاية الدقة والإتقان، وبناءً أدبيا في غاية الرشاقة والعذوبة والجمال…!
أما شخوص الرواية: فلم تفلتني الدهشة عند تصور أدوارهم المتباينة…! عندما تشرع في قراءة الرواية تظن أن وفاء ((الزوجة والأم وهي الراوية الأولى)) هي بطلة الرواية بلا منازع، ثم بعد قليل ترى أنها قد انتُزِعت منها البطولة وأُعطِيَتْ لرفيق ((الزوج والأب والراوي الثاني))، ليصبح هو البطل بلا منازع، وترى أن وفاءً دورها ثانوي لا تكاد تظهر أصلاً…ثم بعد قليل ترى أن البطولة قد انتُزِعَتْ من رفيق لتحصل عليها ابنته آسيا ((البنت والراوية الثالثة))، ويبقى دور البطلين الأولين هو مجرد مساعدة البطلة الجديدة، وتكميل الصورة لا أكثر! ثم بعد قليل ترى كل هؤلاء الأبطال قد اختفوا لتظهر الحفيدة الأخيرة رحمة ((وهي حفيدة آسيا والراوية الرابعة والأخيرة)) في عام ٢٠٦٧، لتكون هي صاحبة الروايات الثلاث السابقة، وهي البطلة الأولى والأخيرة، والناقل الأخير لهذه الأحداث.!هذا التلاعب بأدوار البطولة أدهشني أيما إدهاش، فوجود أكثر من بطل في الرواية ممكن، وأن تكون أدوارهم محورية رئيسية فهذا أيضا ممكن متوقع، أما أن تحوله من بطل إلى صاحب دور هامشي لا يكاد يرى أو يُعتد به؟! مع أنه موجود لم يختف تماما!! هذا ما حيرني.! ثم هذا الوجود الخاطف لصادق، وكيف استطاعت الكاتبة أن تجعل من هذاالذي لم يظهر إلا في مشاهد قليلة جدابطلاً حاضراً في كثير المشاهد، وإن لم يكن حضورا ذاتيا، بل من وراء حجاب! فهو ساعدهم في العثور على آسيا مثلا ولم يظهر، وكذلك في مواقف كثيرة! فهي تجعل ممن ليس موجودا بطلا، ومن كان بطل وما زال موجودا مهمشا! هذا التلاعب بالأدوار شبيه بالتلاعب بالزمن، وإن دل فإنما يدل على أن الكاتبة حكاية من طراز فريد، تستطيع أن تجمع بين تقنيات سردية مختلفة، وأن تُحْكِم قبضتها على العمل فلا يفلت جزءا من أجزائه منها…! أما الأحداث: فقد تنوعت بين الاجتماعي، والسياسي، ثم هي تجعل هذه مؤثرة في تلك، وتلك سببا لهذه، وكأنها تريد أن توصل بكل هذه التأثيرات والتأثرات رسالة مجملها: لا يمكن أن يعيش إنسان بمعزل عن الأحداث السياسية، ولا يمكن أن تتغير السياسات ((سلبا أو إيجابا)) إلا بمؤثرات اجتماعية. هذه الكلية العامة تعطي لأحداث الرواية سواء ما قبل التيه أو أثناءه أو بعده معنى آخر غير ظاهرها، وتلفت النظر إلى فلسفة اجتماعية عميقة جدا. كان للأحداث التاريخية ((رغم قلتها)) الدور الأبرز في تسيير الرواية، ودارت أغلب أحداثها تأثرا بهذه الأحداث التاريخية/ السياسية، ولهذا قلت في أول المقال ((هي رواية أجيال من طراز فريد))، تؤرخ لملحمة تاريخية تأريخا من أصدق ما يكون، ومن أوفى ما يكون.أما اللغة: فكانت عربية فصيحة سهلة، تخللتها جملٌ قليلة من العامية في مواضع كانت العامية أليق بها، وأقرب للصدق فيها من الفصحى، وإن كانت هذه العامية نفسها ترجع لأصل فصيح. واللغة على فصاحتها كانت سهلة قريبة من القارئ البسيط، عميقة بليغة للقارئ المتذوق، فقد جمعت بين الحسنيين: السهولة والبلاغة، وجمعت بين الجمالين: جمال العبارة وجمال المعنى. وأما الأسلوب: فكان في الغالب رشيقا خفيفا برغم طول الرواية، وهذا بسبب:
١- تعدد الأزمان والانتقال السريع بينها.
٢- تعدد الرواة والأبطال والمبادلة بينهم.
٣- تنوع الأحداث واختلافها، والعلاقة التباداية بينها تاثيرا وتأثرا.كل هذا جعل الرواية الكبيرة تنقسم لأجزاء صغيرة محددة، تعطي للكاتبة مساحة للاهتمام بكل جزء من هذه الأجزاء الصغيرة اهتماما خاصا، وتعطيه حقه في اللغة والأسلوب والأحداث والشخصيات، ثم تأخذه لتضعه في مكانه من العمل الكبير، أو اللغز الكبير.
كل هذا وغيره جعل الرواية ((على طولها النسبي)) تحافظ على رشاقة الأسلوب وخفته على طول العمل.


محمد الصاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.